تأملات حول التنوين

عماد غزير 19 أكتوبر 2018 | 10:25 م قسم عام 3325 مشاهدة

يسأل سائل عن قولنا: جاء فتًى مثلا: كيف تكون فتى مرفوعة ولحقها تنوين النصب؟ أو مثل: جاء قاضٍ، كيف هي مرفوعة ولحقها تنوين الجر؟

ويثور سؤال آخر: لماذا لا نقف على التنوين مع أنه سكون والوقف يكون على الحرف ساكنًا لا متحركا كما هي القاعدة: لا يُبتدَأ بساكن، ولا يُوقَف على متحرك؟

ولماذا نبدل التنوين ألفا أو ياء حين الوقف، فنقول: كتابا أو قاضي؟

وسأجيبك عن كل هذا إن شاء الله في هذا البحث القصير إن كنت مهتما وواصلت القراءة للنهاية.

أقول أولا إن الإشكالية هنا هي في مصطلح (تنوين رفع، أو تنوين نصب، أو تنوين جر )؛ حيث إن هذا مصطلح خطأ؛ فلا يوجد شيء اسمه تنوين رفع أو تنوين نصب أو تنوين جر.

التنوين نون ساكنة حرف زائد ساكن مضاف للكلمة لا علاقة له بحركة الحرف السابق، يُنطَق ولا يُكتَب، ولكن حين وضع نصر بن عاصم حركات التشكيل كانت هناك حاجة لتمييز التنوين، وذلك للتفرقة بين المعرب والمبني، وللتفرقة بين المصروف والممنوع. ولما كانت قواعد الرسم عند العرب قبل وضع النقاط وقبل وضع حركات الضبط لا تقوم برسم التنوين نونا؛ حتى لا تلتبس النون الأصلية بنون التنوين؛ فاهتدى للتعبير عن التنوين بتكرار الحركة السابقة رسما؛ فإن كان الحرف منصوبا وضع فتحتين ( ً )، وإن كان مكسورا وضع كسرتين ( ٍ  )، وإن كان مضموما وضع ضمتين ( ٌ  ).

فإن كان ساكنا؟

هذا سؤال لا محل له؛ لأن التنوين علامة إعراب، والسكون لا يكون علامة إعراب، بل هو علامة بناء، ولا يوجد معرب ساكن إلا حال الوقف فقط؛ لأن العرب لا تقف على حرف متحرك، وإذا فالساكن لن يُنوَّن؛ لأنه مبني، مثل (من وكم )، أو لأنه فعل معرب مجزوم مثل لم يضرب، وفي كلا الحالين فالتنوين لا يلحق بالمبني ولا بالفعل بل يلحق الاسم المعرب.

وأصل كلمة قاضي أن الياء مضمومة، ثم تُنوَّن تنوين التمكين؛ فتصير نطقا هكذا: (قاضِيُ ن  )، ولما اُستُثقِلت الضمة على الياء حُذِفت الضمة؛ فالتقت الياء ساكنة بالتنوين؛ فحُذِفت الياء وبقي التنوين؛ لأن بقاءه أهم؛ إذ هو دلالة الإعراب والتمكن فصار قاضِ ن، الضاد مكسورة، ثم يليها التنوين. وقلنا إن التنوين في الرسم هو تكرار الحركة الأخيرة فتصير قاضٍ بكسرتين: الأولى حركة الحرف الأصلية لا علاقة لها بحركة الإعراب، والثانية زِيدت للدلالة أننا سننطق نونا بعد هذه الضاد. ويتبين من هذا أن هذا التنوين لا علاقة له بالجر ولا الرفع، وأن رسمه هكذا لأن الضاد مكسورة، وستبقى مكسورة حتى بعد حذف ياء المتكلم، وانظر للكلمة حين النصب: قاضيًا؛ فحركة الضاد لم تتغير، والياء مفتوحة؛ لأن الفتحة تظهر على الياء لخفتها ثم لحقها التنوين فكررنا رسم الفتحة. فأما الألف فقد زِيدت رسما؛ لأننا حين نقف على الكلمة لن ننطق التنوين، ولا نستطيع أن نقف على الياء مفتوحة؛ لأنه لا يوقف على متحرك؛ فأبدلت الألف من التنوين لنقف عليها بالألف قاضيَا بدون تنوين.

نعود لما ذكرته في المقدمة: لماذا لا نقف على التنوين، والتنوين سكون؟

هنا نفرق بين حركة الحرف الأخير قبل التنوين، هل هي فتحة أم ضمة أم كسرة.

فإن كان الاسم مرفوعا مثل محمدٌ، لو وقفنا عليه هكذا بالتنوين فقد حركنا الدال، ونحن لا نقف على متحرك؛ فإما أن نبدل التنوين حرفا مجانسا للحركة قبله، أو نحذفه، ولو أبدلناه سيبدل واوا فتصير محمدو، ولا يوجد في الأسماء العربية اسم ينتهي بواو رابعة؛ فلذلك لم يبدلوا التنوين في حالة الرفع حرف علة، وحذفوه ليقفوا على الحرف السابق ساكنا: محمدْ.

لكن في حالة قاض نقف عليها: قاضي؛ حيث أبدلنا التنوين ياء؛ فالياء هنا ليست الأصلية، بل حرفًا مبدلا من التنوين (على خلاف في هذه الياء حال الوقف والخلاف في الألف في الاسم المنون حال الوقف ) وإن وقفنا على فتًى قلنا: (فتَى )، فأبدلنا التنوين ألفا؛ لكي نقف على حرف ساكن لا متحرك (على خلاف أيضا في الألف هذه هل المبدلة من التنوين أم الألف الأصلية عادت ) .

وبعد، فخلاصة ما سبق أنه لا يوجد ما يُسمَّى تنوين رفع أو نصب أو جر، أو تنوين فتح أو ضم أو كسر.

التنوين في (فتى ) و (هدى ) و (قاض ) لا علاقة له بعلامة الإعراب من قريب أو بعيد، وحركة ما قبل حرف العلة هي حركة أصلية، وكررت رسما لتدل على أننا سننطق نونا عقب هذا الحرف بعد حذف حرف العلة نطقا حتى لا يلتقي ساكنان.

والوقف لا يكون على الحرف متحركا ولا منونا، بل على السكون.

فإن كان مرفوعا وقفنا عليه ساكنا، وإن كان مكسورا أو مفتوحا وقفنا على ياء أو ألف، وهناك لغة ربيعة تقف على المنقوص بالسكون؛ فتقول: قاضْ، ولا تبدل التنوين ياء.

أخيرا هناك قاعدة مهمة جدا أكرر عليها وهي (قواعد الكتابة مبنية على الوقف والابتداء .  يعني بتقدير الابتداء بالكلمة؛ لذا نرسم ألف الوصل حتى لو كانت ساقطة وصلا؛ فنكتب مثلا: (قال اخرج )، رغم عدم الحاجة لألف الوصل في اخرج، ولكن على تقدير أنك ابتدأت الكلام بـ (اخرج )؛ لذا يجب رسم الألف، ومبنية على الوقف بمعنى أننا نكتب: (يدعو الله )، و ( في البيت )، رغم أن حرف العلة يسقط وصلا، لكن نراعي حال الوقف

 هذا. والله أعلم.