مبادرتنا المباركة

أحمد أحمد 20 أكتوبر 2018 | 4:23 ص قسم عام 410 مشاهدة

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد شرفني الأستاذ يسرى بالانضمام لهذه المبادرة الشريفة المقاصد, ومردها الأول والأخير خدمة النحو التعليمي في المراحل الأساسية العامة؛ الابتدائية, والإعدادية، والثانوية. لكن هذه المبادرة لم تتحد جهات سيرها بعد؛ لذلك تجيء هذه المقالات منى، ومن غيري من السادة الأفاضل، لتتمخض في النهاية عن مولود نجيب من أمشاج عصارة الخبرة الطويلة في التدريس لأساتذتنا الأفاضل؛ الأستاذ يسرى، والأستاذ مصطفى، والأستاذ عماد. وعلى رأسنا سيد المبادرة ومنشئُها الأستاذ يسري سلال؛ لما له من باع طويل في هذه الشأن. فالرجل قضى حياته كلها (ولا تجَوُّزَ) في هذه القضية، راصدا للظاهرة، محللا لها، منكبا عليها ليله ونهاره، مُشَخِّصاً الحالة، واصفا العلاج. لدرجة أنه كان يمسك معه دائما مُفَكِّرة (نوتة) يكتب فيها في أثناء الصف وهو واقف يشرح، كلَّ ما يَعِنُّ له مما يراه من تلاميذه؛ من استشكال متكرر من طلبته؛ فيؤيده، أو مسألة مستعصية على الجّمّاء؛ فيُقَعِّدُ لها، أو صياغة مُستغلَقَةٍ للقاعدة؛ فيعيدُ صياغتها؛ حتى اكتلمت لديه الرؤية، ووضع يده أخيرا على مكمن الداء؛ خابرا أغواره، مُكْتَنِها تَشَعُّبَه، حاصرا صوره؛ فصرخ في الناس مستنهضا، لكنها للأسف صرخة موءودة؛ خاب وخسر من قتلها! فلما رأى الصمم مستشريا، لم يجد المصدور بُدّاً من البث، فأنشأ موقعا  إليكترونيا اسّاقَطَتْ عليه عافيتُه حقا وحقيقة؛ إنشاءً، وصنعا للمادة، ومتابعة، وتمحيصا. يصل الليل بالنهار رغم ما هو فيه من زمانه السكري، وقرحة ساقه الخبيثة، التي تسقيه حر الحميم، فلم يجد مخففا (إلى حد ما) إلا في حقنة مسكنة تشفع له أربع ساعات فقط لتأخذه فيها سنةٌ أو نوم. مبشرة إياه بفشل كلوي إن استمر عليها، لكن الفشل الكلوي مع السكري والقرحة أهون وأحب إلى النفس الشماء من هوان الحاجة والسؤال؛ بعدما طلبه حقا من حقوقه من الدولة، فلم تلتفت لملح الأرض بعدما انشغلت بسكرها (الراقصة والطبال)! ثم إنه ألف مؤلفات عدة في هذا الشأن؛ منها كتاب (نَحْوَ نَحْوٍ جديد)، من يقرؤه فسيقف على أُطِر تلك القضية. فخاب وخسر من أهمل تلك الثروة المعرفية متمثلة في الأستاذ يسري!

وأكرمنا الله بالأستاذ مصطفى أبو النجا؛ سابر أغوار النفوس الناشئة، مشعل جذوة المواهب بداخلها، مفجر الحماسة الموجهة، خبير بأصول التربية وفنونها، مع ما فيه من حس لغوى عال، ونَفْسٍ شاعرية مرهفة، وإلقاء إن شاء كان نسيما، وإن شاء كان رصاصا، وإن شاء كان سحرا يأخذ بالأسماع والألباب، وإن شاء جمع بين هذا وذاك فتشعر معه كأنك في ملحمة ملتهبة الجوانب مفعمة بالأحاسيس.

وأكرمنا الله أيضا بالأستاذ عماد غزير؛ إن وصفته لقلت: كان نحوا يمشى على الأرض! خبيرا بعُوص المسائل، عالما بالآراء، وعللها، عايشا حالة حب مع النحو، قد صنع لنفسه مدينة فاضلة على غرار أفلاطون؛ قاطنوها: سيبويه، والكسائي، والأخفش، والمبرد، وابن جني، وابن مالك. له إحساس راق بالعربية، وأدبها: شعرا، ونثرا!

فمن لك بمثل هؤلاء وعلمهم ونفوسهم الشَّمَّاء؟! ومن لك بمبادرة قِوامها هؤلاء؟!

على أن الباب مفتوحٌ على مِصْراعَيْه لكل محب للعربية، ملهوف عليها، متحسر على مجدها الغابر، راجيا مجدها الموعود المنتظَر. فنحن في حاجة لكل جُهد صادق، ويد واحدة لا تصفق، بشرط أن تكون في عمل منظم، وتحت إدارة حكيمة.

أحمد البمباوي.