فائدةٌ ولا أروع!!

يسري سلال 20 أكتوبر 2019 | 3:34 ص تيسير النَّحو 40 مشاهدة

دعهم يؤدُّوا واجبهم .. صحيحة.
دعهم يؤدُّون واجبهم .. صحيحة.
اجعلهم يؤدُّون واجبهم .. صحيحة.
اجعلهم يؤدُّوا واجبهم .. غير صحيحة.
فلماذا؟!

مبدئيًّا فالفعل مع (دعهم )، بالأمثلة الواردة، يمكن عدُّه واقعًا في جواب الطَّلب، أمَّا مع (جعل ) فلا يمكن عدُّه كذلك بأيِّ حالٍ من الأحوال.

الأمر منوطٌ فيما يخصُّ وقع المضارع في جواب الطَّلب، ومن ثَمَّ جزمه بهذا المسوّغ، بصحَّة إحلال أسلوب الشَّرط مكانه:
– إن تدعهم يؤدُّوا واجبهم.
التَّقدير سليم، والمعنى متَّسق؛ إذن فالفعل في الجملة الأصليَّة واقعٌ في جواب الطَّلب.
طبعًا هذا مستحيل مع (جعل )، ومن ثَمَّ فالفعل بعدها غير واقعٍ في جواب الطَّلب، وبالتَّالي فلا مسوِّغ للجزم، وهو مرفوعٌ بالتَّأكيد، وقولا واحدًا.

وهنا سننتقل إلى نقطةٍ بالغة الأهمِّيَّة، وملتبسة لدى الكثيرِين منكم للأسف؛ ففي حين يتوقَّع معظمكم (في ظنِّي ) أنَّ جواز الجزم والرَّفع بعد (دعهم ) عائدٌ إلى كون المضارع الواقع في جواب الطَّلب (جائز الجزم )، فإنَّ هذا غير صحيحٍ، ومجرَّد وهمٍ!!

في الحقيقة فإنَّك إذا قلتَ: دعهم يؤدُّوا واجبهم، فإنَّ الفعل هنا مجزوم، وواقع في جواب الطَّلب.

بينما عندما تقول: دعهم يؤدُّون واجبه، فإنَّ الفعل مرفوع، وبالتَّالي فهو غير واقعٍ في جواب الطَّلب أصلا!! ولو عددناه هنا واقعًا في جواب الطَّلب لـ (وجب ) جزمه!!

طبعًا أنتَ تقول الآن: أليس الفعل المضارع الواقع في جواب الطَّلب (جائز ) الجزم؟!!

نعم يا عزيزي، إنَّه (جائز ) الجزم، ولكنَّ الفكرة هنا هي ما يعنيه (الجواز )؛ ففي حين تظنُّ أنتَ أنَّه يعني أنَّك مخيَّر بين جزمه ورفعه، أؤكِّد لك أنا أنَّ (الجواز ) هنا يعني أنَّه لا يُجزَم إلا بشرطٍ، وهو أن يترتَّب الجواب على الطَّلب (وعلامته أن يصحَّ إحلال أسلوب الشَّرط مكانه )، فإن وقع المضارع (ظاهريًّا ) في جواب الطَّلب، دون أن يترتَّب الجواب على الطَّلب، فإنَّه لن يُجزَم في هذه الحالة، بينما إذا تحقَّق الشَّرط؛ فالجزم – حينئذٍ – واجب.

طبعًا سبق أن قتلتُ الأمر بحثًا، ونشرتُ دراساتٍ موثَّقة عن الموضوع، ولكنَّني أعيد التَّذكير هنا، وأيضًا لأنَّ الكثيرِين منكم – على ما أتوقَّع – يقرءون هذا الكلام لأوَّل مرَّةٍ.

عندما تقول: اغتنم فرصة تظهر لك ، فإنَ الفعل – رغم وقوعه ظاهريًّا في جواب الطَّلب – مرفوع وليس مجزومًا، وذلك لأنَّه لم يترتَّب على الطَّلب؛ فلا يمكن التَّقدير: إن تغتنم فرصة تظهر لك؛ لأنَّ هذا الكلام يتضمَّن خطأ منطقيًّا؛ حيث إنَّ اغتنام الفرصة يأتي بعد ظهورها، وليس العكس!!

فإذا وقع المضارع في جواب الطَّلب، وترتَّب الجواب على الطَّلب؛ فالجزم عندها (واجب )؛ وكما أشرتُ في بحثي السَّابق، لا يصحُّ لك أن تقول: اجتهدوا تنجحون؛ بادِّعاء أنَّ المضارع (جائز ) الجزم لوقوعه في جواب الطَّلب؛ حيث الجواب هنا مترتِّب بلا شكٍّ على الطَّلب؛ فيكون المضارع – في هذه الحالة – (واجب الجزم ).

وبالعودة إلى:
– دعهم يؤدُّوا واجبهم.
– دعهم يؤدُّون واجبهم.

الأوَّل واقعٌ في جواب الطَّلب؛ فهو مجزوم.

أمَّا الثَّاني، وما دام قد ورد مرفوعًا، فهو – بالتَّأكيد – ليس من قبيل الوقوع في جواب الطَّلب، وإنَّما – في الحقيقة – جملة (يؤدُّون ) وقعت في محلِّ نصبٍ حالا.

إذن ..
1 – الفعل الأوَّل مجزومٌ لوقوعه في جواب الطَّلب (وهنا لا تستطيع الادِّعاء بأنَّ جملته حال ).
[والمعنى: إن تدعهم فسوف يؤدُّون واجبهم .. أي أنَّ تأديتهم لواجبهم متوقَّعة ولم تتحقَّق بعد، ومشروطة بكونك تتركهم وحالهم!! ].
ملاحظة: لا يجوز هنا مطلقًا التَّقدير: دعهم حال كونهم يؤدُّون واجبهم.

2 – الفعل الثَّاني مرفوع؛ لأنَّه لم يقع في جواب الطَّلب، والدَّليل أنَّ جملته حال، وذلك يقطعها قطعًا عن الوقوع في جواب الطَّلب أصلا.
[والمعنى: اتركهم وحالهم الآن أنَّهم يؤدُّون واجبهم؛ ممَّا يعني أنَّ تأديتهم لواجبهم حال واقعة ومتحقِّقة ].
ملاحظة: لا يجوز هنا مطلقًا التَّقدير: إن تدعهم فسوف يؤدُّون واجبهم.

وكذلك أيضًا ….
1 – اعمل صالحًا (ينجِّكَ ).
الفعل واقع في جواب الطَّلب ومجزوم، والمعنى: إن تعمل صالحًا فإنَّ هذا العمل سينجِّيك.

2 – اعمل صالحًا (ينجِّيك ).
الفعل مرفوع، وغير واقعٍ في جواب الطَّلب، والمعنى الشَّرطيُّ الموجود في الجملة الأولى غير موجودٍ في الجملة الثَّانية، والمعنى: اعمل عملا صالحًا صفته أنَّه منجٍّ.
مع ملاحظة أنَّ جملة (ينجِّك ) في المثال الثَّاني قد وقعت نعتًا (وهذا يقطعها قطعًا عن فكرة جواب الطَّلب من الأساس )، بينما الفعل في الأولى مجزوم في جواب الطَّلب، وهذا يحصِّن جملته تحصينًا تامًّا من عدِّها نعتًا!!

ملاحظة مهمَّة جدًّا جدًّا جدًّا:
ورد الفعل بعد (ذرهم )، ومعناه (دعهم ) أيضًا، في القرآن الكريم، مجزومًا ثلاث مرَّاتٍ، ومرفوعًا ثلاث مرَّاتٍ، وفي حين يتوهَّم الملايين أنَّ ذلك دليل على (جواز ) جزم المضارع في جواب الطَّلب، وجواز رفعه، فإنَّ الأمر عائد إلى غير ذلك تمامًا أيضًا:
المجموعة الأولى (الفعل مجزومٌ ):
أ – “ذَرۡهُمۡ یَأۡكُلُوا۟ وَیَتَمَتَّعُوا۟ وَیُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ “. الحجر 3.
ب – “فَذَرۡهُمۡ یَخُوضُوا۟ وَیَلۡعَبُوا۟ حَتَّىٰ یُلَـٰقُوا۟ یَوۡمَهُمُ ٱلَّذِی یُوعَدُونَ “. الزخرف 83.
ج – “فَذَرۡهُمۡ یَخُوضُوا۟ وَیَلۡعَبُوا۟ حَتَّىٰ یُلَـٰقُوا۟ یَوۡمَهُمُ ٱلَّذِی یُوعَدُونَ “. المعارج 42.

المجموعة الثَّانية (الفعل مرفوع ):
أ – ” ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِی خَوۡضِهِمۡ یَلۡعَبُونَ “. الأنعام 91.
ب – “وَنَذَرُهُمۡ فِی طُغۡیَـٰنِهِمۡ یَعۡمَهُونَ “. الأنعام 110.
ج – ” وَیَذَرُهُمۡ فِی طُغۡیَـٰنِهِمۡ یَعۡمَهُونَ “. الأعراف 186.

في المجموعة الأولى وقع الفعل في جواب الطَّلب، وتتضمَّن الآيات الثَّلاثة المعنى الشَّرطيَّ المشار إليه (ولا يمكن عدُّ جملة هذا الفعل حالا بأيِّ حالٍ من الأحوال ).

بينما في المجموعة الثَّانية، فالمعنى الشَّرطيُّ غير واقعٍ نهائيّا، ومن ثمَّ لا وقوع للمضارع في جواب الطَّلب أصلا، وإنَّما وقعت جملة الفعل – في الجمل الثَّلاث – حالا.

على سبيل المثال فقط:
– في الآية الأولى بأوَّل مجموعةٍ، المعنى: إن تذرهم فسيأكلون (أي أنَّ فعل الأكل لم يقع، وإنَّما هو مشروط بالطَّلب ).

– بينما في الآية الأولى بالمجموعة الثَّانية، فإنَّ فعل (اللَّعب ) وقع وتحقَّق، وهو حالهم أصلا.