كيف تحتقر مصر المعلِّم؟ شهادة (موثَّقة ) من واقع تجربتي الشَّخصيَّة

يسري سلال 20 أكتوبر 2019 | 3:32 ص قسم عام 40 مشاهدة

(1 ) أعاني من قرحةٍ وريديَّة مزمنةٍ بالسَّاق اليسرى منذ 8 سنواتٍ، قرحة من النَّوع الذي لا يقتلك فتستريح، ولا يتركك فتستريح، وجرَّبتُ جميع أنواع الأدوية والوصفات الطِّبِيَّة والشَّعبيَّة، وقطعت مصر من جميع أطرافها، أدور على أكبر الأطبَّاء في جميع التَّخصُّصات، كلُّهم يمدُّون لي حبال الأمل؛ حيث الهدف الوحيد لكلٍّ منهم أن يستنزفني إلى آخر قطرة، وأن أظلَّ أدفع إلى ما لا نهاية، مع أنَّني أتوقَّع أنَّ أغلبهم يعلمون يقينًا بأنَّ هذا النَّوع من القرحة لن يلتئم (على الأقلِّ داخل مصر )، ولكنَّهم – في سبيل أن أستمرَّ في دفع المعلوم – كانوا يمنُّونني، ويخدعونني، عامدِين متعمِّدِين؛ مدَّعِين بأنَّ الجرح عاديٌّ جدًّا، وسيلتئم، ولكنَّه لم يلتئم، ولن يلتئم، وسأموت، وأدخل قبري، وألاقي ربِّي، بقرحتي تلك؛ محتسبًا كلَّ ما لاقيته طوال هذه السَّنوات من الآلام التي لا تخطر على قلب بشر.

المهمُّ أنَّ معلِّمًا مثلي، أفنى حياته في خدمة النَّحو، ويعمل في مجال تيسير النَّحو منذ 11 عامًا، مجَّانًا، وأطلق في سبيل ذلك، وبجهدٍ فرديٍّ خالصٍ، وتمويلٍ ذاتيٍّ كاملٍ، عشرات المواقع والكتب والبرمجيَّات والتَّطبيقات والإصدارات، معلِّم بهذه الصِّفات، مريض بهذا المرض البشع، يحتاج 2000 جنيه للغيار الشَّهريِّ على القرحة، ومثل هذا المبلغ (أو أكثر ) للعلاج، ولا يملك من الدُّنيا مصدرًا للدَّخل إلا راتبه الحقير، الذي (كان ) يبلغ 2400 جنيه، بعد 24 عامًا من العمل بالتَّدريس، ويعول أسرةً مكوَّنة من زوجةٍ و 4 أولاد بمراحل التَّعليم المختلفة، أقول إنَّ هذا المعلِّم كان (يستحقُّ ) أن يُعالَج.

وأولى النَّاس بعلاجي كانت وزارة التَّربية والتَّعليم التي أنتمي إليها.

ولكنَّ ما حدث، أنَّني – وخلال 8 سنواتٍ – راسلتُ مئات الشَّخصيَّات العامَّة، واستغثت بعشرات الجهات، ونشرت عنِّي جميع وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة والمرئيَّة، دون أن تكلِّف وزارة التَّعليم نفسها عناء الرَّدِّ ولو لمرَّةٍ واحدةٍ!!!!

أقسم بالله العظيم، إنَّ العديد من الصُّحف المصريَّة والعربيَّة، والقنوات التِّليفزيونيَّة، ومواقع الانترنتّ، نشروا عن موضوعي، وعن حاجتي الملحَّة للعلاج، واستحقاقي لذلك، فلم تكلِّف الوزارة نفسها عناء الرَّدِّ مرَّةً، رغم أنَّ هناك مكتبًا إعلاميًّا للوزير، يتابع كلَّ ما يُنشَر عن الوزارة والعاملِين فيها بوسائل الإعلام، ويتولَّى الرَّدَّ عليها فورًا.

العجيب أنَّ هذا التَّجاهل استمرَّ لكلِّ هذه السَّنوات، والتي تغيَّر فيها وزير التَّعليم أكثر من مرَّة، بما يعني أنَّ وزراء التَّعليم هؤلاء جميعًا، قد أجمعوا على احتقاري، وتجاهل معاناتي.

ملاحظة على الهامش:
هذه الوزارة التي بصقت عليَّ، ولم تعرني اهتمامًا طوال سنواتٍ، انتفضت عن بكرة أبيها الأسبوع الماضي، وفي اليوم التَّالي مباشرةً لنشر رسالةٍ من أحد المعلِّمِين إلى إحدى الصُّحف، يعلن فيها أنَّه سيستقيل من عمله؛ لأنَّ التَّوجيه التَّابع له يريد انتدابه لسدِّ العجز في مدرسةٍ مجاورة، فقط لأنَّ سيادته سبق أن التقى السَّيِّد الرَّئيس وصافحه يدًا بيد في إحدى مؤتمرات الشَّباب.

(2 ) وبدلا من أن تتبنَّى وزارة التَّربية والتَّعليم مأساتي، أو أن يصدر قرارٌ من الدَّولة بعلاجي في الخارج؛ أسوةً بالممثِّلات وراقصات الدَّرجة الثَّالثة اللائي يُعالَجن على نفقة الدَّولة، قرَّروا إحالتي إلى التَّقاعد؛ عقابًا لي لأنَّ مرضي تجاوز عامَين!! حيث اتَّضح أنَّ القانون المصريَّ (يحظر ) المرض لأكثر من عامَين!! وبعدها (شوف لك حلّ: إمَّا الشِّفاء .. وإمَّا تموت وتريَّحنا .. وإمَّا تُحال إلى التَّقاعُد )!!

حاولتُ أن أشرح لهم وجهة نظري، وأنَّه لو كان الأمر بيدي، لالتزمتُ بالقواعد، ولشُفِيتُ قبل نهاية مدَّة العامَين، ولكنَّ المشكلة في مرضي الخبيث وليس فيَ للأسف، وأنَّ الأمر خارج عن إرادتي، وأنَّ إحالتي إلى التَّقاعد تعني إعدامي وإعدام أسرتي؛ حيث سيتقلَّص الرَّاتب من 2400 جنيه (150 دولار ) إلى 1200 جنيه (75 دولار )، وتساءلت: كيف أعيش أنا وزوجتي وأولادي الأربعة بـ 75 دولار شهريًّا؟!! في حين أنَّ الغيار وحده يتكلَّف ضعف هذا المبلغ، ناهيك عن العلاج، فأصمُّوا آذانهم، وقالوا: هذا هو القانون، ونحن نعرف جميعًا أنَّ دولتنا الشَّريفة النَّزيهة لا يمكن أن تخالف القانون، وهكذا أُحِلتُ إلى التَّقاعُد.

(3 ) قلتُ في نفسي: دعكَ من وزارة التَّعليم الجاحدة، والحكومة الظَّالمة، عزائي في نقابة المعلِّمِين الغرَّاء، حصن المعلِّمِين الشَّامخ، وقلعتهم الأبيَّة؛ فلعلَّها تنصفني، ولكنَّني اكتشفتُ أنَّ نقابة المعلِّمِين العظيمة، بعد 24 عامًا من العمل بتلك المهنة المقدَّسة، وبعد سجلِّي المشرِّف في خدمة النَّحو والعلم، سوف تكافئني، وتمنحني معاشًا قيمته .. أرجوكم حاولو تتماسكوا .. معاشًا قيمته 300 جنيه كلَّ 3 شهور!!!!

نعم .. نعم .. لا تفرك عينَيك .. ما قرأته صحيح .. ثلاثة وأمامها صفران!!
ثمنك عند نقابة المعلِّمِين معاش قيمته 100 جنيه شهريًّا!!
قيمتك عند النِّقابة المحترمة 6 دولارات شهريًّا!!

وهكذا ..
1 – الدَّولة ضنَّت عليَّ بالعلاج في الخارج
2 – وزارة التَّربية والتَّعليم رفضت طوال سنواتٍ أن تردَّ مجرَّد ردٍّ على أيٍّ من وسائل الإعلام التي تحدَّثت عن جهودي في مجال النَّحو، ونشرت استغاثاتي
3 – الحكومة أحالتني إلى التَّقاعد بمعاشٍ 1200 جنيه؛ عقابًا لي لأنَّني مرضتُ لأكثر من عامَين
4 – نقابة المعلِّمِين تعطَّفت عليَّ (كتَّر خيرهم ) بمعاشٍ قدره 6 دولارات شهريًّا

هذا – باختصارٍ شديدٍ – هو المعلِّم في مصر!!!!