وإن كرِه الكارهون: ما الجدوى من دراسة البلاغة بالضَّبط؟؟

يسري سلال 20 أكتوبر 2019 | 3:39 ص قضايا تعليميَّة وعامَّة 31 مشاهدة

قبل أن تقرأ ….
1 – أتفهَّم تمامًا أنَّ هذا المقال سيثير غضب الكهنة، وأباطرة الدُّروس الخصوصيَّة، الذين يسرُّهم أن تبقى مادَّة اللُّغة العربيَّة مجموعةً من التَّجريدات العبثيَّة؛ لكي تظلَّ هذه المادَّة تمثِّل الـ (بُعبُع ) المخيف؛ في سبيل استمرار تدفُّق أموال الدُّروس الخصوصيَّة عليهم للأبد، وأنَّ أيَّ دعوة لتيسير اللُّغة العربيَّة وفكِّ طلاسمها، ستُواجَه بحربٍ ضروسٍ ممَّن تعوَّدوا ألا ينظروا إلا لمصالحهم الشَّخصيَّة.

٢ – اذا كان تدريس النحو.. بكل تعقيدات.. وتناقضاته.. مهما.. ولا غنى عنه.. من أجل تلاوة القرآن الكريم.. وعدم اللحن فيه.. فما الجدوى من دراسة البلاغة؟؟؟؟

ملاحظة: اللي هيقوللي البلاغة بترقي أذواق الطلاب هقول له: الأذواق دي عند ام للي.

٣ – ما ستقرؤه هنا مجرَّد رأيٍ شخصيٍّ، قد يكون صائبًا، وقد يكون غير ذلك. وعندي الاستعداد لسماع الرَّأي الآخر واحترامه، ولكنّ أيّ تطاولٍ أو خروجٍ على آداب الحوار لن يُواجَه إلا بالحظر.

….

علميًّا .. نحن في ذيل الأمم، وتعليميًّا .. نحن أضحوكة البلاد والعباد، وحضاريًّا .. نحن صفر كبير على الشِّمال.

ولا شكَّ أنَّ أسباب هذه الأزمة الحضاريَّة التي تعيشها مصر كثيرة ومعقَّدة، وبالتَّأكيد فإنَّ للتَّعليم دورًا لا يُستهَان به في هذه المحنة.

وأنا هنا لن أناقش قضيَّة التَّعليم ككلٍّ، وإنَّما سأناقش ما أزعم أنَّني أفهم فيه (ولو يسيرًا )؛ بحكم تخصُّصي، ألا وهو الشِّقُّ المتعلِّق بتدريس اللُّغة العربيَّة.

هل يستطيع أحد، كائنًا مَن كان، أن يجادل في هذه الحقائق:
أوَّلا – الغالبيَّة العظمى من الطُّلَّاب (وبخاصَّةٍ المتفوِّقون منهم )، لديهم نفورٌ بالغٌ من اللُّغة العربيَّة عمومًا، ومن النَّحو والبلاغة خصوصًا.

ثانيًا – أغلب الطُّلَّاب المتفوِّقِين يحرزون تقدُّمًا ملموسًا في موادَّ صعبة ومعقَّدة بطبيعتها، كالفيزياء، والكيمياء، بل واللُّغات الأجنبيَّة، في حين يخفقون إخفاقًا مخزيًا في اللُّغة العربيَّة (خصوصًا النَّحو والبلاغة ).

ثالثًا – الانفصال الكامل والتَّامُّ والمطلق، بين مناهج العربيَّة، واللُّغة العربيَّة في حياتنا وفي بيوتنا وفي شوارعنا؛ ممَّا يحوِّل تلك القواعد إلى عبث وهزل؛ فما جدوى دراسة كلِّ هذا الكمِّ من القواعد المعقَّدة؟ رغم أنَّ اللُّغة العربيَّة قد اندثرت (أو كادت )؛ فالفصحى مهجورة على كلِّ الأصعدة، وحتَّى مدرِّسِي النَّحو أنفسهم لا أحد منهم يتحدَّث بالفصحى، ولو حاولتً التَّحدُّث بالفصحى في أيِّ مكان، لرماك النَّاس بالشُّذوذ، بل بالجنون!!

رابعًا – حوالي 95% من الطُّلَّاب في تقديري (وهي النِّسبة التي ستنقطع علاقتها باللُّغة العربيَّة بعد انتهاء الدِّراسة الثَّانويَّة، وستتَّجه إلى دراسة تخصُّصاتٍ أخرى ) يدرسون اللُّغة العربيَّة كمجرَّد واجبٍ ثقيلٍ يؤهِّلهم للمرحلة الجامعيَّة، ولذلك فمن الطَّبيعيِّ أن تصير جميع القواعد التي درسوها طوال حياتهم مجرَّد ذكرياتٍ بائسةٍ، تبدأ في التَّساقط بمجرَّد وضع أقدامهم داخل كلِّيَّاتهم وجامعاتهم.

لذلك دعونا نلقِ الضَّوء اليوم على طريقة تدريس أحد فروع اللُّغة العربيَّة، والذي يحظى بالمرتبة الثَّانية من النُّفور لدى الطُّلَّاب بعد النَّحو، ألا وهي البلاغة.

أنظر إلى مناهج البلاغة بالمرحلة الثَّانويّة فيتملَّكني العَجَب العُجاب.

سنوات تمضي، وطاقات تُهدَر، وميزانيَّات تُستنزَف، وآباءٌ يُمتصُّون حتَّى آخر قطرةٍ؛ فقط في سبيل أن يتقن أبناؤهم هذا الفرع من فروع اللُّغة العربيَّة، فماذا يستفيد هؤلاء المساكين من مادَّة البلاغة بالضَّبط؟

1 – يدرِّس البلاغة معلِّمون، لن أقول معظمهم، ولكن لا شكَّ أنَّ نسبةً كبيرةً منهم، لم يدرُسُوا البلاغة إلا لمامًا، ولا يعرفون من دهاليزها أكثر ممَّا يعرف طلَّابهم؛ فهم لا يعرفون معنى كلمة (استعارة )، ولا ماذا تعنيه لفظة (مكنيَّة )، ولا لمَ سُمِّي (المجاز ) بهذا الاسم، ولماذا هو (مرسل )، وما معنى (مرسل )!! فكلُّ ما يعرفونه عن البلاغة مجرَّد أمثلةٍ محفوظةٍ ومكرَّرةٍ ومستهلكةٍ يدرِّسونها لعشرات الأجيال، بلا روحٍ، ولا إبداعٍ، بل وبلا منطقٍ أحيانًا.

2 – تقوم دراسة البلاغة بالمرحلة الثَّانويَّة على إسقاط قواعدها على نصوصٍ شعريَّةٍ ونثريَّةٍ، نحمِّلها قهرًا فوق ما تحتمل، ونفترض افتراضاتٍ عبثيَّة، لم تدُر بخُلد مؤلِّفها نفسه!! وافتراضات جدليَّة مضحكة عن طريقة نظرة الشَّاعر للحياة، والسِّرّ المكنون وراء صياغة عباراتٍ، لم يحكم صياغتها لدى كاتبها أصلا إلا ضرورة الوزن والقافية؛ فيصير الغثُّ ثمينًا، والتُّراب ذهبًا، والسَّخافة (أحيانًا ) عبقريَّة متفرِّدة، في تلفيق بائس لا أرى له أيَّ فائدة.

3 – محمَّد أسد.
– محمَّد كالأسد.
– محمَّد كالأسد في الشَّجاعة.
– محمَّد أسد في الشَّجاعة.
قابلتُ الأسد (وأنا أقصد محمَّدًا ).
– محمَّد يزأر.
في جميع هذه الجمل شبَّهنا محمَّدًا بالأسد؛ فبالله عليكم أن تدلُّوني على فائدةٍ واحدةٍ من تكمن في تبديد طاقة الطُّلَّاب في تحديد ما إذا كان التَّشبيه استعارةً (مكنيَّةً أم تصريحيَّة )!! وعن الفائدة الحضاريَّة الفظيعة، والمكاسب العلميَّة المذهلة التي سنجنيها من التَّفريق بين أنواع التَّشبيه أنَّه في حين أنَّ هذا تشبيهًا مفصَّلا، فإنَّ ذلك تشبيه مجمل، بينما ذاك تشبيه بليغ!!

هأموت وأعرف ما الفائدة من كلِّ هذا العبث بالضَّبط، اللَّهمَ إلا ترويج الدُّروس الخصوصيَّة!!

4 – ما يزيد الطِّين بلَّةً، أنَّهم في المناهج الجديدة، التي هي – قال إيه – حرَّة، يملئون الكتب بنماذج (متحرِّرة ) من الشِّعر الجاهليِّ، والتي تموج بألفاظٍ لا يعرف معناها حتَّى المعلِّمون أنفسه، ويطالبون الدَّارسِين باستخراج تشبيه واستعارة ومجاز، وغير ذلك ممَّا لا سبيل لاستخراجه إلا أن تكون الأبيات مفهومة، لا أن تكون مجموعةً من اللُّوغاريتمات والألغاز.

5 – يتجادل المعلِّمون منذ ألف عامٍ في بعض الأمثلة، التي يرى بعضهم أنَّ الصُّورة فيها تشبيه، بينما يرى آخرون أنَّها استعارة، ويقول البعض عن (إنَّ الرَّسول لنور يُستضَاء به ) إنَّ التَّشبيه فيها مجمل، في حين تأخذ الحميَّة آخرون؛ فيحلفون بأغلظ الأيمان أنَّه تشبيه بليغ، ويدافعون عن آرائهم بالظُّفر والنَّاب، في معارك ضارية، تليق بنا كأمَّةٍ (ضحكت من جهلها الأمم )؛ فيكون من الطَّبيعي أن ننحدر أكثر، وأن نهوي أكثر، وأن نسقط أكثر وأكثر وأكثر.

تتسابق الأمم على تطوير مناهجها التَّعليميَّة، بينما نحن مشغولون بالتَّشبيه والاستعارة والمجاز.

ولعشَّاق الطَّنطنة والشِّعارات الفارغة الجوفاء، والذين سيدَّعون أنَّنا نحارب اللُّغة العربيَّة، وأنَّهم المدافعون المغاوير عن عزَّة العرب وشرفهم، أرجوكم، عزَّتنا وشرفنا أُهدِرا لمليون سبب، أهمُّها أنَّنا تركنا لغتنا أسيرةً لمجموعة من الكهنة الذين سجنوها داخل غرفٍ مصمتة، وملئوها بما لا يسمن ولا يغني من جوعٍ.

وإذا كنَّا – في رأيكم – بتدريس هذه البلاهة، على الطَّريق الصَّحيح، فأين المشكلة بالضَّبط في رأيكم؟ ولماذا نستمرُّ في الانهيار؟ ولماذا عشرات الملايين من المتخرِّجِين من مدارسنا لا يفقهون شيئًا عن لغتهم؟ ولماذا يكره أكثر المتفوِّقِين اللُّغة العربيَّة؟؟

لا شكَّ لديَّ أنَّ:
1 – معرفة أين وُلِدت سميرة موسى، والعوامل المؤثِّرة في شعر محمود مختار، وما تحفل به قصص كـ (طموح جارية ) و (واإسلاماه ) من صراعاتٍ مؤسفةٍ، مكانها كتب التَّاريخ، لا كتب اللُّغة العربيَّة.

من الواجب طبعًا دراسة نماذج مشرِّفة من تاريخنا، خصوصًا وأنَّنا من عشرات السِّنين قد عقمنا تمامًا عن الإنجاب، ولكن درِّسوا ذلك في مادَّة التَّاريخ.

2 – موضوعات القراءة يجب أن تُدرَّس كقراءةٍ حرَّةٍ، لا كفرعٍ يُمتحَن فيه الطَّالب، ليُسأَل أين وُلِد فلان، ومتى وُلِد؟ وفي أيِّ المدارس درس؟ فما العلاقة بين كلِّ ذلك واللُّغة العربيَّة؟!

من الجميل أن ننمِّي حبَّ القراءة لدى طلَّابنا، وأنا مؤمن تمامًا بأنَّ اندثار (القراءة ) أحد الأسباب المهمَّة لتخلُّفنا، ولكن لا علاقة للـ (قراءة ) المطلوبة، بالموضوعات البلهاء التي نفرضها على طلَّابنا، ونمتحنهم فيها، مدَّعِين أنّها (قراءة ).

3 – في الوقت الذي أضعنا كلَّ طاقتنا في تدريس هذا الهراء، أهملنا أهمَّ ثلاثة فروعٍ في العربيَّة على الإطلاق:
– النَّحو: الذي لم نهتمّ بتطويره وجعله عصريًّا، وتنقيته من الخلافات التي لا تهمُّ طلَّابنا، ولن تفيدهم في شيء؛ فما زلنا مصرِّين على خوض معارك تافهة مضحكة عن العَلَم إذا ثُنِّي أو جُمِع (هل يبقى عَلَمًا مفردًا، أم يصير نكرةً مقصودةً ) رغم أنَّ المهمَّ أنَّه في الحالتَين مبنيٌّ، وعن البدل (هل هو بعض من كلٍّ أم اشتمال )، رغم أنَّه في جميع الأحوال من التَّوابع، وسيتبع ما قبله في الإعراب. فما الذي سيفيد الطُّلَّاب من هذه السَّفاهة؟ وماذا سنجني حضاريًّا من هذه السَّخافة؟

– الإملاء: الذي لا يُدرَّس في مدارسنا نهائيًّا تقريبًا، إلا في مجموعةٍ حصص نظريَّة بحتة، يتعامل معها المعلِّم غالبًا بوصفها حصصًا للرَّاحة من عناء الشَّرح.

– التَّعبير: 99% من طلابنا (وبخاصَّةٍ المتفوِّقون منهم )، لا يكرهون شيئًا قدر كراهيَّتهم لكتابة موضوع التَّعبير؛ لنفس السَّبب السَّابق؛ حيث تُعامَل حصص التَعبير معاملة الطِّفل اللَّقيط (اللي مالوش صاحب!! )، وينظر إليه المعلِّمون باحتقار واستهانة، وهي الحصص التي يوصي التَّوجيه دائمًا بتجاهلها لصالح بقيَّة فروع اللُّغة العربيَّة.

يا حكومة مصر ..
يا مستشار اللُّغة العربيَّة ..
يا معلِّمِي مصر الشُّرفاء (لا حيتان الدُّروس الخصوصيَّة ) ..
حرِّروا اللُّغة العربيَّة
أحيوا اللُّغة العربيَّة
يسِّروا اللُّغة العربيَّة
نقُّوا مناهج اللُّغة العربيَّة

والأهمّ ….
قسِّموا اللُّغة العربيَّة إلى فرعَين:
1 – فرع يدرسه الطَّالب ويُمتحَن فيه (ويشمل: النَّحو + التَّعبير + الإملاء فقط ) بشرط تطوير تلك المناهج
2 – وفرع يدرسه الطَّالب دراسةً حرَّة، ولا يُمتحَن فيه (ويشمل القراءة والنُّصوص والبلاغة ).