تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه. إذا كانت (خير ) خبرًا، فأين المبتدأ؟!!

يسري سلال 06 يوليو 2020 | 7:00 ص قسم عام 268 مشاهدة

من الأمثال العربيَّة القديمة المشهورة (تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه )
وهنا تكمن الإشكاليَّة في أنَّنا إذا سُئِلنا عن إعراب (خيرٌ )، فالإجابة الوحيدة أنَّها خبرٌ مرفوعٌ، ولكنَّ السُّؤال: أين المبتدأ؟
طبعًا لو قال العرب: (أن تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه )، لانتفت الإشكاليَّة؛ إذ سنعدُّ المصدر المؤوَّل (أن تسمع ) في محلِّ رفعٍ مبتدأ، والتَّقدير: (سماعك بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه )، تمامًا كما في قوله تعالى: “وأن تصوموا خيرٌ لكم “.

وقبل أن أستطرد، فإنَّني أدين بالشُّكر للأخت الفاضلة enas rashed؛ إذ أضاء تعليقها على منشوري السَّابق الطَّريق لي فيما يخصُّ حلَّ هذه الإشكاليَّة.

نعرف جميعًا أنَّ النُّحاة رصدوا نوعًا من المصادر يُسَمَّى (المصدر المؤوَّل )، والذي يُؤوَّل بمصدرٍ صريحٍ، يكون له محلٌّ ما من الإعراب.

ومن أنواعه طبعًا – كما تعلمون جميعًا – (أن ) والمضارع، و (ما ) والماضي، و (أنَّ ) واسمها وخبرها، وغير ذلك ممَّا اختلف عليه النُّحاة.

وممَّا اختلفوا عليه في هذا الصَّدد مثلا، وقوع الاسم الموصول وجملة الصِّلة بعده كمصدرٍ مؤوَّلٍ، وتحديدًا في قوله تعالى: “وخضتم كالذي خاضوا “؛ حيث عدَّ بعضهم (الذي والفعل بعده ) مصدرًا مؤوَّلا في محلِّ جرٍّ، وأوَّلوا بالقول: وخضتم كخوضهم، في حين رفض آخرون ذلك.

الإشكاليَّة في المثل العربيِّ المذكور أنَّ (تسمع ) فعل مضارع، وليس مصدرًا مؤوَّلا، ولكن بما أنَّ الذَّائقة السَّليمة لن ترى في (خير ) إلا خبرًا، فإنَّه يلزم بلا مفرٍّ اعتبار هذا (الفعل ) مبتدأ!! وهذا محالٌ في العربيَّة؛ فالخبر قد يقع جملةً فعليَّة، بعكس المبتدأ الذي لا يكون إ؟لا مفردًا.

فما بالنا نستشعر بلا شكٍّ بأنَّ أصل هذا المثل بكِّ تأكيدٍ: (سماعك بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه )؟!!

في الحقيقة، فإنَّ هذه من المواضع المدهشة في النَّحو العربيِّ، ولكنَّ النُّحاة – كعادتهم بارَكَ الله فيهم – ضربوا فيه بسهمٍ!! إذ نُفاجَأ بمصطلحٍ غريبٍ يقول: (مصدر مسبوك بغير سابكٍ )!! فما معنى (مسبوك )؟

في حديث (الأخفش ) عن المصدر المؤوَّل، ذكر – رحمه الله – أنَّ المصدر المؤوَّل هو المصدر المكوَّن من حرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ، أو من موصول حرفيٍّ وصلته، وأنَّهما معًا (يُسبَكان ) سبكاً ينشأ عنه المصدر المؤوَّل (المصدر المسبوك ).
[إذن فالمسبوك أي المصنوع ].

أمَّا عن (المصدر المسبوك بغير سابكٍ )، فالمقصود أنَّك تُضطَرُّ اضطرارًا إلى افتراض وجود مصدرٍ مؤوَّلٍ (غير موجودٍ في الحقيقة )، ولا يتكوَّن من الأشكال المعروفة والمعهودة للمصدر المؤوَّل؛ بهدف تبرير وتمرير وضعٍ مربكٍ كالوضع النَّاشئ في مثلنا العربيِّ.

فلا سبيل لتعليل رفع (خير ) إلا بكونها خبرًا، ولا تفسير لكونها خبرًا إلا بافتراض وجود مصدرٍ مؤوَّلٍ نعدُّه – غصبًا – هو المبتدأ!!
ولا يوجد أيُّ حلٍّ آخر.

ملاحظة:
يمكن تفسير جملة (إنَّ بعد الصَّبر يأتي الفرج ) أيضًا بظاهرة (المصدر المسبوك بغير سابكٍ )؛ فـ (نفترض ) وجود مصدرٍ مؤوَّلٍ من الفعل وحده هنا!! ليكون التَّقدير: إنَّ بعد الصَّبر إتيان الفرج.
وهكذا تُحَلُّ إشكاليَّة دخول (إنَّ ) على الجملة الفعليَّة بحلَّين:
الأوَّل: ما ذكرناه في مقالنا السَّابق من وجود ضمير شأنٍ محذوف، بتقدير: إنَّه بعد الصَّبر يأتي الفرج.
والثَّاني: ما ذكرناه اليوم بخصوص (المصدر المسبوك بغير سابكٍ ).